أن نظام سعر الصرف الثابت مرساة لسياسة مالية مستقرة وذات مصداقية، إذ إنه يحد من التوسع العشوائي للكتلة النقدية ويساعد على تقليص الضغوط التضخمية المقترنة بتخفيض سعر صرف العملة وفي ظل نظام سعر صرف ثابت حيث تتلاشى مخاطر سعر الصرف ويحافظ ذلك على ثقة المستثمرين بالعملة المحلية مما يشجع على الادخار والاستثمار ويحفز تدفق رؤوس الأموال من الخارج ونظام سعر الصرف الثابت هو بمثابة ملاذ آمن لسياسة نقدية مستقرة
ماهي أسباب ربط الريال بالدولار ؟
- إن كافة صادراتنا ومعظم وارداتنا مقيمة بالدولار الأمريكي. - إن الريال مغطى بالكامل باحتياطيات النقد الأجنبي، وتحتفظ المؤسسة باحتياطيات سائلة كافية لمواجهة المطالبات المحتملة على الاحتياطيات. - إن احتياطيات المملكة العربية السعودية من النقد الأجنبي تكّونت من إيرادات النفط ودخل الاستثمارات، وليس من الاقتراض القصير الأجل للنقد الأجنبي. - ليس الريال عملة غير متوازنة من حيث سعري صرفه الاسمي والحقيقي. - إن استقرار سعر صرف الريال مقابل الدولار يقلص المخاطر بشكل حاد بالنسبة للمستثمرين الأجانب.وقبل المضي في الجدل وتحليل ما سبق عرضه من أسباب، لابد من الإشارة إلى أن لكل نظام نقدي يفرض قيوداً مختلفة على الاقتصاد، وإذا أخذنا بالاعتبار ترتيب سعر الصرف الثابت، فإن التوافق في السوق النقدية ينجم من خلال السوق الآجلة، إلا أن مستوى أسعار الفائدة المحلية في بيئة شبه خالية من التضخم، لم يكن عبئاً على الاقتصاد.وهكذا كان الاستقرار طويل الأجل للعملة السعودية مريحاً جداً لمؤسسات الأعمال المحلية والمستثمرين والحكومة على حدٍ سواء من أجل تخطيط الميزانيات والاستثمارات. وعلى رغم ذلك، فإن كثيراً من السعوديين لا يزالون يناقشون، وبصوت مسموع، جدوى ربط عملتهم المحلية، الريال بالدولار.ولعله من المنطقي الإشارة هنا مرة أخرى في هذا السياق، إلى أن ربط أي عملة محلية مع أي عملة عالمية، مثل ربط سعر صرف الريال بالدولار سلاح ذو حدين، ففي حالة انخفاض الدولار يكون ذلك إيجابياً للسلع والخدمات السعودية المصدرة بحيث تكون أرخص وتملك قوة تنافسية في حالة التصدير مثل ما تصدره الشركات السعودية القائمة والمنتجة من سلع. وفي المقابل فإن التجارة مع غير منطقة الدولار، مثل منطقة "اليورو" أو "الين" وغيرهما تكون ذات تكلفة عالية حيث نستورد سلعا غالية الثمن، مثل السيارات والأدوية وغيرها، فكأننا نستورد التضخم المضر بالاقتصاد.ومثل ذلك مع تسعير النفط بالدولار، ففي حالة انخفاض الدولار يكون الأفضل من الناحية الاقتصادية النظرية البحتة تسعير النفط بسلة عملات متحركة مع إدارة يومية ومستمرة لهذه السلة من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي ووفق هامش محدد وتسمى سلة عملات غير قابلة للثقب، لأن انخفاض الدولار سيقابل بارتفاع "اليورو" في السلة وهكذا في بقية العملات. هذا من الناحية النظرية، ولكن يبقى القرار غير اقتصادي بحت لأن له بعداً سياسياً يجب أن يحسب بعناية.أما من الناحية الأخرى فإننا لو نظرنا للمكاسب التي تحققت منذ ربط الريال بالدولار، فنجدها قد حققت استقراراً واضحا لأسعار الصرف وأسعار المواد والخدمات في الداخل، ورغم توقع هبوط الدولار أكثر من مما هو حاصل اليوم وبتوقع يتراوح ما بين 18 و25 في المائة، ومع ارتفاع أسعار النفط فإن ذلك وحتى الآن لا يعتبر سلبياً.الأمر الآخر والمهم، أن قرار فك الارتباط بالدولار، يحمل الاقتصادي السعودي تكلفة عالية عبر عدم الاستقرار المتحقق ولو مرحليا، الأمر الذي يجب معه عدم دفع هذه التكلفة عبر الإبقاء على هذا الارتباط. ومن جانب آخر, فإننا مقبلون على عملة خليجية موحدة ما بين 2007 و2010 وعملات الدول الخليجية مرتبطة بالدولار، وأي تغيير أحادي ستكون تكلفته محملة على الاقتصادي السعودي فقط. يضاف إلى ذلك أن زيادة التبادل التجاري مع أي دولة يعني الشراكة معها فالشركة التجارية مع الشركات الكبرى في الدول العظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية يخدم الدولة المشاركة معها عبر توفير الاستقرار بتأثير مرتبط بمصالح الشركات.ويجب أن لا ننسى في هذا السياق أن الدولار انخفض في السبعينيات الميلادية، فهل استمر الانخفاض إلى الأبد، التاريخ يقول "لا" لأن الدولار عاود الصعود مقابل العملات الأخرى فيما بعد. لذلك يمكن القول إن الشركات السعودية التي تعمل خارج منطقة الدولار وتتضرر من انخفاضه، لم تخطط لوضعها بشكل جيد عبر توفير سلة عملات تحميها التقلبات أن رغبت بإدارتها، أو استخدام ذلك من قبل البنوك السعودية التي تقوم بهذه المهمة عبر إدارات الخزانة، مما يوفر حماية للشركات السعودية والمستهلك السعودي، وهو ما تعمله بعض الشركات السعودية المتعاملة مع منطقة "اليورو" ولعدة أسباب، أهمها الحفاظ على مبيعات معينة في السوق المحلية، والحفاظ على قوة تنافسية.ويمكن للشركات السعودية المتعاملة مع غير منطقة الدولار أن تلجأ للبنوك لتوفير خطة تحميها من تقلبات العملة عبر المشتقات المالية التي تعتمد على تاريخ الاستحقاق من جهة وكمية الاستحقاق من جهة أخرى، وعلى هذا الأساس تبنى المعادلة وتفصل وفق حاجة الشركة ومقاييسها لأن لكل شركة حاجة ومقياس مختلف عن الأخرى. ويمكن أن تبنى المعادلة على أساس سعر الفائدة أو سعر الصرف أو الاثنين معاً.كما أن لارتباط الدولار علاقة أخرى بالميزانية، إذ يمثل النفط المصدر الأساسي لإيرادات الدولة في السعودية، وهو من السلع الاستخراجية ذات القيمة المضافة المتواضعة، أما باقي الإيرادات فهي من مصادر غير نفطية مثل الاستثمارات بالخارج وإيرادات الجمارك والخدمات الحكومية كالهاتف الذي بدأ يتقلص كمصدر دخل غير نفطي نتيجة برامج التخصيص.ويتم تصدير هذه السلعة الأساسية (النفط الخام) للخارج بعملة رئيسية واحدة وهي الدولار الذي تعرض في الآونة الأخيرة إلى سلسلة من الانخفاضات أمام العملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو والين، ونتيجة لذلك بالتبعية تنخفض القوة الشرائية لهذه الصادرات النفطية أمام الإنفاق الاستثماري الحكومي المتمثل في الواردات من السلع الاستهلاكية والرأسمالية من منطقة اليورو واليابان، متأثرة بسعر الصرف بين العملات الرئيسية. ويزيد من حدة الانخفاض للقوة الشرائية للصادرات في السعودية المتمثلة في النفط الخام ارتباط العملة المحلية بالدولار كعملة رئيسية واحدة للتبادل التجاري.ولا جدال أن لانخفاض الدولار مخاطر قد تتمثل في تضخم مستورد ناتج عن معدلات صرف العملات الرئيسية الأخرى أمام الدولار التي تؤثر سلبا في النشاط الاقتصادي والناتج الوطني السعودي، وذلك نتيجة زيادة أسعار السلع المستوردة الاستهلاكية منها أو الرأسمالية والتي تدفع بعملات رئيسية أخرى غير الدولار. كما أن العمالة الأجنبية التي تمثل نسبة عالية لقوة العمل في السوق السعودية وخاصة في المهن التخصصية التي تطالب وتسعى إلى زيادة أجورها للمحافظة على دخولها، لا سيما العمالة من خارج منطقة الدولار، وتأتي مطالبها لمواجهة ارتفاع عملاتها مقابل الدولار لأنها تتسلم مرتباتها بالريال مما يقلل أجورها بعملات بلدانها الرئيسية نتيجة ارتفاع تلك العملات مقابل الريال والدولار.وتزداد المخاوف التضخمية مع اقتراب دخول السعودية منظمة التجارة العالمية، هذه المنظمة التي تسعى إلى تحرير التجارة ورفع القيود الجمركية والإعانات الحكومية للمنتجين المحليين. وهذا النوع من التضخم يعرف بالتضخم المكبوت أو المقيد. وبالعودة مرة أخرى إلى الدخل الرئيسي للدولة والذي أشرنا إليه سابقا أمام الواردات بعملات رئيسية مختلفة، فإن الحاجة تدعو إلى توجيه جزء من الإنفاق الحكومي الاستثماري وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في صناعات إنتاجية وخدمية تكون غالبية إن لم تكن كل مدخلاتها محلية المصدر، للمحافظة على نمو اقتصادي مستهدف يمكن تحقيقه متجاوزين أزمة انخفاض الدولار.
|